أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
223
العقد الفريد
وقائلة والنعش قد فات خطوها * لتدركه يا لهف نفسي على صخر ألا ثكلت أمّ الذين غدوا به * إلى القبر ما ذا يحملون إلى القبر عائشة والخنساء في صدار كانت تلبسه : دخلت خنساء على عائشة أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها وعليها صدار من شعر قد استشعرته إلى جلدها ؛ فقال لها : ما هذا يا خنساء ؟ فو اللّه لقد توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فما لبسته ! قالت : إنّ له معنى دعاني إلى لباسه ؛ وذلك أنّ أبي زوّجني سيد قومه ، وكان رجلا متلافا ، فأسرف في ماله حتى أنفده ، ثم رجع في مالي فأنفده أيضا ، ثم التفت إليّ فقال : إلى أين يا خنساء ؟ قلت : إلى أخي صخر . قالت : فأتيناه فقسم ماله شطرين ، ثم خيّرنا في أحسن الشطرين ، فرجعنا من عنده ، فلم يزل زوجي حتى أذهب جميعه ، ثم التفت إليّ فقال لي : إلى أين يا خنساء ؟ قلت : إلى أخي صخر ! قالت : فرحلنا إليه ، ثم قسم ماله شطرين وخيّرنا في أفضل الشطرين ، فقالت له زوجته : أما ترضى أن تشاطرهم مالك حتى تخيّرهم بين الشطرين ؟ فقال : واللّه لا أمنحها شرارها * فلو هلكت قدّدت خمارها واتخذت من شعر صدارها * وهي حصان قد كفتني عارها فآليت ألّا يفارق الصدار جسدي ما بقيت . الخنساء في أخويها : قيل للخنساء : صفي لنا أخويك صخرا ومعاوية . فقالت : كان صخر واللّه جنة الزمان الأغبر ، وذعاف الخميس الأحمر . وكان واللّه معاوية القائل والفاعل . قيل لها : فأيهما كان أسنى وأفخر ، قالت : أما صخر فحرّ الشتاء ، وأما معاوية فبرد الهواء . قيل لها : فأيهما أوجع وأفجع . قالت : أما صخر فجمر الكبد ، وأما معاوية فسقام الجسد ! وأنشأت : أسدان محمرّا المخالب نجدة * بحران في الزّمن الغضوب الأنمر